يبيع دقائق من الظل ليشتري بها طعاما لنفسه وعائلته !!

أحد, 09/20/2026 - 09:17

بائع الظل... رجل كان يبيع للآخرين ما حُرم منه
من أغرب المهن التي عرفتها مصر في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، مهنة «بائع الظل».
كان يقف في الأسواق والميادين المزدحمة بالقاهرة، يترقب أحد المارة، وغالبا من الأعيان أو الأفندية، ممن لا يرغبون في مواجهة شمس القاهرة القاسية. فيستأجره ليظل إلى جواره، حاملا مظلته فوق رأسه، فيمشي الرجل في الظل، بينما يمشي هو تحت الشمس.
لكن خلف هذه الصورة الطريفة تختبئ حكاية إنسانية موجعة.
فهذا الرجل لم يكن يبيع الظل لأنه يملكه، بل لأنه كان يبحث عن قوت يومه. كان يقف تحت الشمس الحارقة ساعات طويلة، يحمل المظلة فوق رأس غيره، ويحتمي الآخر بالظل الذي يصنعه له، بينما تلسعه الشمس وتثقل قدميه مشقة السير.
يا لها من مفارقة مؤلمة...
كان بائع الظل يبيع للآخرين الراحة، بينما لا يملك لنفسه منها شيئا.
كان يبيع دقائق من الظل ليشتري بها طعاما لأسرته، ويبيع جهده وعرقه كي يعود في نهاية النهار بما يسد به حاجات بيته.
وربما لم يكن يفكر آنذاك في غرابة مهنته، ولا في المفارقة التي ستجعلها كتب التاريخ والصور القديمة مثارا للدهشة؛ كان كل ما يعنيه أن تمر ساعات النهار، وأن يعود إلى بيته وفي يده ما يكفي ليبدأ يوما جديدا.
اختفت المهنة مع الزمن، بعد انتشار المظلات الشخصية وتغير شكل المدن ووسائل النقل والحياة اليومية.
لكن صورة «بائع الظل» بقيت تحمل سؤالا إنسانيا يتجاوز غرابة المهنة:
كم من إنسان في هذه الحياة يبيع للآخرين ما يحتاجه هو أكثر منهم؟
يبيع راحته ليؤمن راحة أسرته، ويبيع صحته ليؤمن خبز أطفاله، ويمنح الآخرين ما يستطيع، بينما يحرم نفسه منه...
تلك ليست حكاية مهنة غريبة فحسب، بل حكاية إنسان كان يحاول، تحت شمس قاسية، أن يشتري لنفسه ولأسرته حقا بسيطا اسمه: لقمة العيش.