
في تصريح نادر وحاد من قلب أوروبا، خرج المستشار الألماني فريدريش ميرتس ليضع إصبعه على الجرح الأمريكي المفتوح في حرب إيران، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لنتتمكن، على الأرجح، من إنهاء الحرب بسرعة، لأن الإيرانيين أقوى مما كان يعتقد كثيرون، ولأن واشنطن لا تملك استراتيجية مقنعة فعلًا للخروج من الأزمة.
كلام ميرتس لم يكن مجرد تحليل سياسي بارد، بل كان أقرب إلى شهادة إدانة أوروبية لإدارة ترامب وطريقة دخولها الحرب. فالرجل قال بوضوح إن الأمريكيين دخلوا الصراع من دون استراتيجية حقيقية، وإن المشكلة في مثل هذه النزاعات ليست فقط في دخولها، بل في كيفية الخروج منها.
إيران أقوى مما توقعوا.. وواشنطن تدفع الثمن:
ميرتس قالها صراحة أمام طلاب في مارسبرغ الألمانية: الإيرانيون، على ما يبدو، أقوى مما كان يُعتقد. وهذه الجملة وحدها كفيلة بتغيير قراءة المشهد. لأن واشنطن وتل أبيب دخلتا المواجهة وهما تراهنان على أن الضغط العسكري والاقتصادي سيجبر طهران بسرعة على التراجع، لكن الواقع، كما يراه المستشار الألماني، مختلف تمامًا.
إيران لم تنهَر، ولم تذهب إلى الطاولة بشروط أمريكية جاهزة، ولم تمنح ترامب نصرًا سريعًا يبيعه لجمهوره. بالعكس، المشهد صار أكثر تعقيدًا، والمفاوضات متعثرة، ومضيق هرمز في قلب المعادلة، والاقتصاد العالمي يشعر بالضغط، وأوروبا نفسها بدأت تدفع تكلفة الحرب.
“أمة بأكملها تتعرض للإذلال”.. العبارة التي أوجعت واشنطن
أقوى ما قاله ميرتس كان حديثه عن أن القيادة الإيرانية “تذل” الولايات المتحدة، أو أن أمة بأكملها تتعرض للإذلال على يد القيادة الإيرانية. هذه ليست عبارة عابرة، ولا توصيفًا دبلوماسيًا ناعمًا، بل كلام شديد القسوة يصدر من زعيم أوروبي حليف لواشنطن.
المعنى السياسي هنا واضح: إيران، رغم الحصار والضغط والتهديد، استطاعت أن تحول الصراع إلى ورطة أمريكية. واشنطن دخلت الحرب وهي تتصور أنها ستفرض الإيقاع، فإذا بها تجد نفسها عالقة بين حرب لا تنتهي بسرعة، ومفاوضات لا تعطيها ما تريد، وخصم يعرف كيف يفاوض أو حتى كيف يمتنع عن التفاوض بمهارة.
مفاوضات بمهارة.. أو امتناع عن التفاوض بمهارة
ميرتس أشار إلى نقطة شديدة الذكاء عندما قال إن الإيرانيين يتفاوضون بمهارة كبيرة، أو يمتنعون عن التفاوض بمهارة. وهذه الجملة تلخص التكتيك الإيراني في الأزمة كلها.
طهران لا تندفع إلى الطاولة بشروط واشنطن، ولا تغلق الباب بالكامل فتمنح ترامب ذريعة سهلة للتصعيد، لكنها تتحرك بين الرسائل والوسطاء والخطوط الحمراء ومضيق هرمز بطريقة تجعل أمريكا في حالة انتظار وارتباك دائم. تفاوض حين تريد، وتؤجل حين تريد، وتضع شروطها حين تريد، وتترك واشنطن تتحمل ضغط الوقت والأسواق والحلفاء.
وهنا تظهر فكرة “الإذلال” التي تحدث عنها ميرتس: ليست إذلالًا عسكريًا فقط، بل إذلال سياسي وتفاوضي. أمريكا تبدو كأنها القوة الأكبر، لكنها لا تملك خطة خروج واضحة.
أفغانستان والعراق.. كوابيس الماضي تعود في إيران
المستشار الألماني استدعى تجربتين مؤلمتين جدًا في الذاكرة الأمريكية: أفغانستان والعراق. قال إن المشكلة في مثل هذه النزاعات أنه لا يكفي أن تدخلها، بل يجب أن تعرف كيف تخرج منها، مضيفًا أن العالم رأى ذلك بشكل مؤلم في أفغانستان على مدى 20 عامًا، ورآه أيضًا في العراق.
وهنا الرسالة واضحة جدًا: ميرتس يحذر من أن إيران قد تتحول إلى ورطة أمريكية جديدة، لا تشبه العراق وأفغانستان في التفاصيل فقط، لكنها تشبههما في الخطيئة الكبرى: دخول الحرب من دون خطة خروج.
ترامب يريد حسمًا سريعًا، لكن إيران لا تمنحه هذا الحسم. واشنطن تريد اتفاقًا واسعًا يشمل النووي والصواريخ والدور الإقليمي، لكن طهران تضع خطوطًا حمراء. أمريكا تريد فتح هرمز من دون تنازلات كبرى، وإيران تريد رفع الحصار والاعتراف بموقعها. والنتيجة: حرب معقدة بلا نهاية سهلة.
أوروبا تدفع الفاتورة.. والاقتصاد الألماني يتأثر
ميرتس لم يتحدث فقط عن السياسة، بل عن الاقتصاد أيضًا. قال إن الوضع معقد للغاية، وإن هذا النزاع يكلف ألمانيا الكثير من الأموال، وله تأثيرات مباشرة على الأداء الاقتصادي الألماني.
وهذه نقطة مهمة جدًا، لأن حرب إيران لم تعد ملفًا بعيدًا في الشرق الأوسط. تأثيراتها وصلت إلى أوروبا عبر الطاقة والأسواق وسلاسل الإمداد ومضيق هرمز. عندما يتوتر هذا الممر الحيوي، لا تخاف واشنطن وحدها، بل تهتز حسابات برلين وباريس ولندن وكل العواصم التي تعتمد على استقرار الطاقة والتجارة.
لذلك، كلام ميرتس يحمل غضبًا أوروبيًا مكتومًا من مغامرة أمريكية قد تدفع القارة ثمنها اقتصاديًا، بينما لا تبدو واشنطن قادرة على تقديم خطة خروج واضحة.
م.الحدث
.jpg)

